الحارث المحاسبي

17

المسائل

وذلك اللّه ربّ العالمين . الذي من طمع فيما عنده عزّ بطمعه ، ومن افتقر إليه استغنى بفقره ، ومن ذل له لم يعذّب بذله ، ولم يحلّ برياء في فقره ، قد علاه عزّ وغنى ، ورحل بقلبه عن المطامع ، وتوجه إلى من لا يخيب لديه سائل . ذلك اللّه الحكيم الحليم الكريم ، الذي من جوده يغضب على من لا يسأله من عباده ، إن سئل أعطى ، وإن لم يسأل ابتدأ ، عطيته برّ ، ومنعه اختبار . قلت : ما الذي يبعث على الفقر ؟ قال : الذي يبعث على الفقر حبّ الاختيار ، واشتغاله بالغنى ، وتركه القيام بالذي هو أولى . فإذا جهل من إليه الاختيار ، نظر إلى نفسه بالتدبير ، واختار لها خلاف ما اختار المولى ، فلم يكن بما يحبه مولاه مقيما ، فانقطع عنه من اللّه المزيد ، وحلّ بأدنى محل العبيد ، فلم يكثر كسبه فيستوجب له الغنى ، ولم ير من يصنع إليه فيستوجب منه عظيم الجزاء . فإذا اشتغل بالمنى حط عنه كلفة طلب الغنى ، وابتغى الأمور من غير معادنها ، فخاب في طلبها ، فلم يوجب له الغنى ما تمنى ، وأورثته نفسه الغرّة باللّه ، فترك حسن المطالب ، إذا لجأ إلى الطمع الكاذب . وإذا ترك القيام بما هو أولى لم يستدرك ما فات ، ولم يظفر بما هو آت . وأورثه ترك القيام بالأولى التواني « 1 » ، فصار إلى فقر الأماني . دفع الوسواس « 2 » قلت : بماذا يدفع وسواس الشيطان ؟ وبماذا يقوى على ذلك ، وبماذا يستعان عليه ؟ قال : أعون الأشياء على دفع وسواسه الإعراض عنه ، وترك الإصغاء إليه . وذلك إذا صغرت قيمته عندك ، وهان كيده عليك ، وإذا تم علمك بمضرة ما يلقي إليك ، مع معرفتك بقوته عليك ، وضعفك عنه .

--> ( 1 ) التواني : التقصير والفتور . ( 2 ) الوسواس : جمع وساوس ، وهو الاسم من وسوس ويعني الشيطان ، أو مرض يحدث من غلبة السوداء ويختلط معه الذهن ، أو حديث النفس مما يخطر بالقلب من شرّ أو مما لا خير فيه .